ما أكثر ما دخل الإنسان على إبداعية الله سبحانه في الخلق فأفسدها.. وعلى صنع الله المدهش في العالم فأصابه بالخلل والفوضى والاضطراب (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [سورة الروم: 41].
ومنذ سنوات بعيدة والحديث يدور حول انكسار في طبقة الأوزون قاد إلى احتباس حراري راح يتزايد طرداً بمرور الأيام، وراحت شعوب وأقاليم شتى تعاني من ويلاته.
ومنذ عقود بعيدة والحديث يدور حول الإشعاع الذّري وما تخلفه التجارب النووية من غبار قاتل، قد يفترس الكثير من الناس والجماعات، أو على الأقل يصيبهم بأمراض لم تعد تستوعبها حتى قواميس الطب وعلوم الصيدلة.
ومنذ زمن بعيد والحديث يدور حول الكميات الهائلة لليورانيوم المخصب الذي أنزل مطر السوء على الشعوب الضعيفة في حروبها غير المتكافئة مع المستكبرين والأقوياء.. وهي كميات كافية لإلحاق الأذى ليس بالإنسان وحده، وإنما بالزرع والضرع.. اغتيال بشع للحياة في مستوياتها كافة..
هذا على مستوى العالم.. فما الذي يحدث على مستوى المدن والأقاليم؟
إنه التلوّث والصخب الذي يمارس هو الآخر دوره في اغتيال الانسان والحياة، ولكن بصيغ أخرى.. إنه يفترس أعمارهم.. يأكل صحتهم وعافيتهم.. يلوّث بيئاتهم إلى حد الاختناق، فلا تغدو صالحة للحياة الآمنة المتوازنة النظيفة.. ويوماً بعد يوم تنزل سكين التحضّر المعكوس لكي تجعل الحياة خبرة أو تجربة صعبة لا تُطاق..
وبمقارنة سريعة بين ما كانت عليه (المدن) زمن الصحة والعافية، وسلامة البيئة، والأمن المناخي، وبين ما أصبحت عليه عبر العقود الأخيرة، يمكن أن نضع أيدينا على حجم المأساة التي يعانيها السكان، وهم يدلفون إلى القرن الحادي والعشرين، والتي ستزداد ويلاً وثبوراً مع دوران الأيام والسنين.
الصخب والتلوّث يلاحقان الناس في المدن المكتظة.. أينما ذهبوا وحيثما وضعوا خطاهم: أبواق السيارات.. أزيز الطائرات.. هدير وسائط النقل.. هتاف الاحتفالات والخطابات العامة والمسيرات الكبرى.. زعيق الراديوات والتلفزيونات .. صراخ المغنين والمغنيات..
فإذا ما دخلنا الدور لكي نستجم فيها قليلاً، استقبلتنا أصوات الأجهزة الكهربائية: المراوح، والمبردات، والمكيفات والثلاجات والمجمدات، وروائح المبيدات الكيماوية التي تخترق الرئة وتكتم الأنفاس..
أين المفر؟ وإلى أين نذهب لكي نلتقط أنفاسنا، ونريح جملتنا العصبية من التوتر والدمار؟
أغادر البيت ـ أحياناً ـ هارباً من زحمة العمل لكي أرتاح قليلاً عبر جولة تخطٍ في الشوارع القريبة، فيرشقني دخان السيارات والمولدات الكهربائية التي تنفث السمّ الأسود.. ويحاصرني الحرّ والغبار، وتخترق الأصوات الحادة المنبعثة من كل مكان جملتي العصبية، فأضطر للعودة من حيث أتيت .. متعباً .. مرهقاً .. متوتر الأعصاب .. مكدوداً ..
أين الهواء الرقيق والنسيم العذب والسماء الزرقاء الصافية والجو الخالي من الغبار
والدخان؟ أين البيئة التي لا يعلو فيها صوت؟
لقد ذهبت تلك الأيام إلى غير رجعة..
ما الذي سيحدث عبر القرون، وربما العقود القادمة؟ هل ستكون الحياة ممكنة ولو في حدودها الدنيا؟