اجتازت المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه مرحلة جديدة وحاسمة مع توزيع نص مشروع القرار المشترك الفرنسي - الاميركي البريطاني على أعضاء مجلس الأمن تمهيدا لمناقشته واقراره قبل آخر الشهر الجاري. وهو ينص على "ان مندرجات الاتفاق المعقود بين الأمم المتحدة ولبنان حول تشكيل محكمة خاصة للبنان تدخل حيّز التطبيق فور تبني هذا القرار".
وثمة ثلاثة أسباب رئيسة ومباشرة دفعت المنظمة الدولية في اتجاه اقرار المحكمة في مجلس الأمن تحت الفصل السابع. أول هذه الأسباب هو إخفاق زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي- مون الى دمشق، حيث كان قد عرض صيغة حل جديدة تتيح لسورية الموافقة على إقرار المحكمة في المؤسسات الدستورية اللبنانية بالتعاون مع حلفائها في لبنان، وتضمنت تلك الصيغة "ضرورة مناقشة مشروع نظام المحكمة في اطار التوافق اللبناني الضروري وحكومة وحدة وطنية لبنانية جديدة برئاسة رئيس غير الرئيس الحالي فؤاد السنيورة تقوم بدرس نظام المحكمة وتدخل تعديلات عليها". لكن الرئيس بشار الأسد أعلن لاحقا أمام مجلس الشعب السوري موقفه الرافض للتعاون مع هذه المحكمة، معتبراً أن بلاده غير معنية بها وأنها تتعارض مع السيادة السورية.
السبب الثاني هو اقتراب موعد نهاية الدورة العادية للبرلمان اللبناني من دون ان تظهر مؤشرات الى إمكان انعقاده لاقرار المحكمة. وهو ما أظهرته نتائج زيارة المساعد القانوني للأمين العام للأمم المتحدة نيكولا ميشال الى بيروت.
أما السبب الثالث للتوجه نهائياً إلى مجلس الأمن فهو التقدم الذي أحرزه التحقيق الدولي والعناصر الجديدة التي توصل اليها، خصوصا بعد التحقيق مع أشخاص جدد أبرزهم المسؤولة السابقة في "بنك المدينة" رنا قليلات، وأن رئيس لجنة التحقيق القاضي البلجيكي سيرج ان براميرتز الذي يتحضر لتقديم تقريره الجديد إلى مجلس الأمن منتصف الشهر المقبل أبلغ الأمين العام ضرورة إنشاء المحكمة لوضع الأدلة والشهود والوثائق في تصرفها.
ومن المقرر أن تبدأ مشاورات غير رسمية بين الدول الأعضاء بعد توزيع مشروع القرار في مجلس الأمن،وتتخذ هذه المشاورات شكل مفاوضات دبلوماسية تضع خلالها كل دولة ملاحظاتها. ولا يتوقع لمرحلة "التفاوض" ان تطول، بحيث يصدر القرار في غضون أيام وقبل نهاية الشهر على الأرجح، ذلك لأن المسألة منتهية وآخر العقبات السياسية في وجه قيام المحكمة عالجتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في زيارتها الأخيرة الى موسكو، علماً أن روسيا ودولا أخرى ستبدي تحفظات تتعلق بمخاوف على الاستقرار الداخلي اللبناني، خصوصاً أن موسكو أعلنت مرارا تفضيلها حصول توافق لبناني حول المحكمة، ولكنها لا تسجل اعتراضا ولا تصوت ضد إنشاء المحكمة في مجلس الأمن.
وستتركز المشاورات أكثر على "الآلية الرسمية" لمسار المحكمة لأن أي نظام سيوافق عليه مجلس الأمن سوف يشكل سابقة لمحاكم لاحقة، خصوصاً ان أمام المجلس اليوم محكمة من نوع خاص ليست دولية تماما وتتضمن مشاركة لبنانية ومختلفة عن المحكمتين اللتين أنشئتا تحت الفصل السابع والخاصتين بيوغوسلافيا السابقة ورواندا. وبعد اقرار المحكمة في مجلس الأمن،ستحتاج عملية تشكيلها الى وقت قد يمتد لسنة من أجل تعيين هيئة المحكمة والادعاء، ولتوفير التمويل ومكان الانعقاد وطريقة استدعاء الشهود وتنفيذ القرارات التي ستصدر عنها. وكلها تفاصيل "مهمة" سيكون من الضروري الاتفاق عليها بين لبنان والأمم المتحدة، وتفرض عودة المحكمة ثانية الى دائرة البحث والنقاش والى الأطر والاجراءات الدستورية اللبنانية...
إلا أن هذه المحكمة دخلت عمليا منذ اليوم "المسار التنفيذي"، اقرارا وتشكيلا، ودخل الواقع اللبناني بفعل هذا التطور أجواء جديدة في ظل توقعات متباينة. فالغالبية النيابية والحكومية التي تعتبر انها ربحت معركة المحكمة بعد معركة الحكومة التي صمدت ولا تزال، تعتبر ان اقرار المحكمة في مجلس الأمن يسهل حل الأزمة السياسية بعدما تحقق فك الارتباط بين المحكمة والوضع السياسي الداخلي، ولذلك تستعد قوى ١٤ آذار/ مارس لطرح مبادرة سياسية ومشروعها للحل مباشرة بعد اقرار المحكمة. أما المعارضة التي يقودها" حزب الله"فتعتبر ان اقرار المحكمة في مجلس الأمن رفع عنها ثقلا وجعلها في حل من أي التزام حيالها، ووضع الكرة في ملعب الحكومة والغالبية التي عليها ان تتحمّل مسؤولية الوضع اللبناني المرشح بعد اقرار المحكمة في مجلس الأمن إلى مزيد من التأزم والخلافات.