لم يكن يوم عيد الأضحى هذه المرة يوماً عادياً، بل أصبح "علامة ثقافية" بارزة و عالمية. فهو اليوم الذي أفاق فيه الناس على أخبار أشاعت أن حكم الإعدام على الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد تم تنفيذه، و بدأ جدل كبير حول صحة هذا الخبر من عدمه، لكنها لم تمض مدة بسيطة حتى بثت القناة العراقية مقاطع من مشهد الإعدام، فجاءت "الصورة" بالخبر اليقين الذي قطع كل خيوط الشك.
لم تمض "الصورة" التلفازية هذه المرة مروراً عابراً كما حدث مع كثير من أخواتها، فقد حظيت باهتمام كبير و موجة واسعة من ردود الأفعال العميقة، اشترك فيها "الكل" من سياسيين و مثقفين و رجال دين. و فوق هولاء، أدخلت "الصورة" بإمكانياتها الجديدة و بتحالف مع شقيقتها "الشبكة العنكبوتية" أطرافاً جديدة تم إقصاؤها تاريخياً عن كل ما يتعلق بمثل هذا النوع من التفاعل العام، فأصحبت "الصورة" بسبب ذلك حدثا جماهيرياً، و مجال قول عام و مطلق، و "نصاً ثقافياً" كونياً أصبح مرجعاً مقدساً لكل القضايا الثقافية الحساسة.
كانت صورة القناة العراقية صورة صامتة، يمكن أن تستوعب مجموعة ضخمة من التأويلات المتنوعة المنطقية و غير المنطقية، لكن مقطعاً آخر تم تسريبه أعطى للصورة أبعاداً دقيقة مزجت بين العناصر الأيدلوجية و الدينية و السياسية و العرقية. و على الرغم من أن آلات التصوير كانت بدائية نسبياً من ناحية القدارات، إلاّ أنها امتلكت -عن طريق قدرتها على المزج العميق و السريع بين هذه العناصر في هذا المشهد- "مؤثرات" بصرية و عقلية لم تتوفر في أي صورة أخرى تحمل كل إمكانيات الإخراج السينمائي الحديثة، و كان من انعكاسات هذا أن فرضت علينا الاحتكاك المباشر مع مجموعة من الأسئلة الثقافية الحساسة.
الكل يعرف أن الحديث حول بعض القضايا و المصطلحات مثل "التطرف الديني"، و "الطائفية"، و "الدكتاتورية"، و "السياسات الدولية"، و "الأيديولوجيا"، و "التميزات العرقية"......الخ، ليس جديداً على الساحة الثقافية. فقد تنوعت الدراسات و المقالات التي بحثت كل هذه الأمور من أكثر من زاوية و على مدى سنوات طويلة، و كانت إفرازاتها تعتمد –عموماً- على نظام ذهني محدد يعتمد على بعض القوانين المنطقية التي تستحضر بعض السياقات الثقافية و الحضارية كأساس لتحليل و كشف المصطلحات و تفسير الأحداث و استخلاص النتائج، و لكل قاعدة شواذ!
لكننا لم نكن هذه المرة أمام جدل اعتيادي، فقد جاءت "صورة" الإعدام و معها عاصفة عاتية هزت معها أركان المشهد الثقافي و السياسي، لتخلف بعدها كل المحاور المطروحة بلا معالم قد تدلنا على سياقها التاريخي و الثقافي. فـ "الصورة" قد أصبحت "ناسخاً" "معطلاً" لكل ما سواها من منجزات ثقافية تقليدية. و بلغت قوتها النسخية أن أصبحت المصدر التأويلي لكل ما بعدها، فكان في هذا توجيهاً نوعياً للحراك الثقافي، و هذا يتمثل جيداً في بعض المواقف المذهلة و المفاجئة و التغيرات الحادة التي كشفت عن أنساق مضمرة و عيوب متجذرة في الخطاب الثقافي بكل أبعاده. فقد وجدت أن ردود الأفعال عموماً كانت متعارضة مع مسار "المنتجات الثقافية"، و ما أعلنته حول كثير من القضايا قبل هبوب هذه "العاصفة البصرية"!
لقد كانت أعيننا في مواجهة مع "صورة" تترجم كـ"نص" ثقافي كل عناصر "الهيمنة" أو "الدكتاتورية" الثقافية، فهي تحتكر بين دفتيها كل ما يغري لتحليل و معالجة المصطلحات و القضايا الكبرى لدرجة أنها قامت بتزهيد الناس –جماهير و نخباً على حد سواء- بغيرها مهما كانت قوته و أصالته الثقافية.
عندما بدأت أقلب صفحات الجرائد، و أتصفح الشبكة العنكبوتية لأتعرف على ردود الأفعال، وجدت أن "الصورة" كانت كالحلقة المفقودة التي ينتظرها الجميع ليحسموا كل شيء على المشهد الثقافي العام. فأغلب المقالات و التصاريح حفلت بمجموعة من النتائج المحددة و القطعية. و هنا عادت الذاكرة بضع سنوات إلى الوراء لتستقر على الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، و حينها التقت بمشهد الرئيس بوش و هو يتحدث لأول مرة بعد تفجير البرجين، و العالم كله في ترقب شديد، لتكون كلمته نقلة ثقافية حادة حصرت الحديث عن "الإرهاب" في هذه الصورة، فأمات حينها آلاف التقارير و الأبحاث المعنية بتفسير مصطلح عميق مثل مصطلح "الإرهاب". و لم تكن كل المحاولات و المؤتمرات التي عُقدت لبحث هذا المصطلح فيما بعد تنتهي إلى نتائج عملية أو معرفية. و السبب في ذلك أنها مؤتمرات بلا "صورة" كتلك التي كانت عند الرئيس بوش وحده، و عندها ظهرت مصطلحات الفكر و نتائج البحث العلمي تقليدية و بالية.
الناقد الدكتور عبدالله الغذامي يصف لنا معالم هذا التغير فيقول: " هذا تغير عالمي كوني يحدث للثقافة البشرية حيث تتولى الصورة رسم المعاني و تغيير المصطلحات. و سوف نرى كيف صار معنى الإرهاب معنى معجمياً مركزياً في ثقافة الصورة، و كيف صار يقود الفكر البشري بوصفه المعنى المركزي الأقوى و الأهم، ليس سياسياً فحسب بل ثقافياً و اجتماعياً و نفسياً، و في كل مناحي الحياة البشرية التي تسيطر عليها ثقافة الصورة و تحتوي كل وسائل التواصل فيه." (الثقافة التلفزيونية ص 168). و نحن نجد اليوم أن التاريخ يعيد نفسه، و لعبة "الصورة" تتكرر بنفس الطريقة تماماً، فتفرض نفسها كنص ثقافي يحتكر "كل شيء".
طبعا لا يمكن أن نعتبر هذا التحول الثقافي تحولاً محموداً بأي حال من الأحوال، بل هو أمر خطير للغاية، فقد أصبحت الأمور أقرب إلى البدائية من ناحية التحليل؛ إذ كيف يمكن أن نجعل حدثا عابراً سريعاً هو المدخل الأساس الوحيد لتفسير و حسم "كل شيء"، بل و على إعادة قراءة كل التاريخ في "لحظات"؟! و نحن إن كنا أحيانا غير قادرين على تحديد دور العقائد و الأيدلوجيات في صناعة بعض الأحداث، فإن بعض مفكرينا نبه كثيراً عن دور الأحداث في صياغة العقائد و تحريف المفاهيم. و هذا الأمر بلغ أوجه مع الأحداث المتصاحبة مع "صورة" بهذه الإمكانيات و الشروط. و هذا الاضطراب في المشهد الثقافي الذي تسببه مثل هذه "الصور" هو ما دفع مفكرين كبار مثل نعوم تشومسكي و إدوارد سعيد و غيرهم إلى التنبيه على خطورة هذا الأمر، و قامت بعض دراساتهم على نقد الخطاب الإعلامي السياسي و البحث في استخدامه كوسيلة تخدم خطاباً ثقافياً واعياً "مضاداً".
القريبون من الوسط الأكاديمي المعني بالنقد الثقافي، يعرفون أن الدراسات النقدية لـ"ثقافة الصورة" حظيت بعناية فائقة و أصبحت محركاً أساسياً لكثير من القضايا السياسية و الثقافية و الاقتصادية. و حين نتأمل في واقع "صورة" الإعدام, و ما تحمله من ثقل في العناصر الثقافية، يصعب علينا أن نصدق أن البث أو التسريب كان "عفوياً". فقد وجدنا بعض مفكرينا و علمائنا الأفاضل يصفها بذلك، و بعضهم أصر أن ما حدث هو دليل على سياسة ساذجة غبية. و لا يمكن التسليم أبداً لهذه اليقينية، فأي نظرة فاحصة على ما أحدثته من اضطراب على المشهد الثقافي و السياسي يدل على عكس هذا التصور الشائع تماماً.
مظاهر الاضطراب التي حدثت على السطح، أوهمت البعض أن الأمر عبثي بحت، لكن الحقيقة تقول إن "الصورة" -بكل ما تحمله من عبقرية- جاءت لتحرك الجميع في مسارات محددة و بطريقة منظمة للغاية. فالحكومة العراقية تلقت الكثير من البيانات السياسية من دول كبرى –بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية- التي تستنكر ما جرى، و جاء الإجماع على اعتباره تصرفاً بشعاً غير قانوني. و هذا يعني أن الحكومة العراقية قد وضعت حبل الإدانة حول عنقها، و ستكون "الصورة" دليلاً قانونياً يحرك أي معارضة –رسمية أو غير رسمية- متى ما حادت عن المسارات المرسومة لها. و هذه مجرد نسخة طبق الأصل في حقيقتها لمسلسل سقوط صدام حسين. و أعمق بوادر تأسيس هذه الإدانة ظهر من الوسط الثقافي الأمريكي نفسه، و بقلم توماس فريدمان المحلل السياسي المشهور حينما سجل بدهاء كعادته ما يلي:" وإذا كان من قدر السجناء في عهد صدام حسين، أن يتعرضوا للسخرية والهزء وسوء المعاملة حتى لحظات موتهم الأخيرة، فإن أكثر ما يثير التبرم والضيق من صور الفيديو التي بُثّت عن إعدام صدام، عقاباً له على هذا النوع من الجرائم بالذات، هي أنها تعيد إلى الأذهان ذكريات ذات السلوك الذي جرت محاكمته"!، و لنضع ألف خط تحت عبارتي "هذا النوع من الجرائم بالذات" و "السلوك الذي جرت محاكمته".
هناك من يستغرب بعض المتناقضات الموجودة على الشرق الأوسط، فهو يجد في "مشهد" الإعدام تدخلاً إيرانياً في الشؤون الرسمية العراقية. و هذا يتناقض مع دعوى أخرى تقول إن أمر الإدارة كله بيد الأمريكان، فيفسر كل ما يحدث بأنه مجرد مؤامرة مشتركة ضد العرب. لكن هذا الموقف فيه من التبسيط الشيء الكثير؛ فالحروب و وجود مثل هذه التوترات بين إيران و إدارة المحافظين الجدد بقيادة بوش لا يمكن أن يقطع الكثير من الحوارات الدبلوماسية التي لا نراها، و التي لا تشترك فيها إلاّ الأطراف القوية المؤهلة. و لا نحتاج الكثير من الذكاء لنكتشف المصالح التي قد يحققها أي طرف استطاع استغلال "الصورة" لمصلحته، مهما كانت هناك بوادر تنازل أو انهزامية على السطح. و هناك مجموعة يبقى دورها محصور في طريقة استجابتها, فهي ليست عناصر محركة للحدث، و يمكن أن نقول إن كل أطراف المشهد الثقافي العربي –الليبرالية قبل الإسلامية- مؤدلجة لحد "العماء" و يمكن توظيفها ضد أي طرف بسهولة شديدة، و هذا ما حصل!!
و لذلك فهذه القضية ستكون من أهم أهدافها هو ضبط المسارات، فنحن لا نعتقد أن حكاية "صورة" صدام قد انتهت خصوصاً بعد أن تم تسريب المقطع الثاني. فقد كان الرجل مادة دسمة للتصوير استمرت شهوراً طويلة لا يمكن أن يغفل عنها من يدرك طاقتها الاستيعابية و التغييرية و الإلغائية. و لذلك يجب أن نتوقع أن هناك جهات معينة –قد تكون مختلفة- تحتفظ بمثل هذه المقاطع، على أن تقوم بعرض بعضها و التعتيم على البعض الآخر بناء على ما تؤول إليه الأمور. و لعل هناك أسماء كبيرة لها ثقلها على الساحة –دينية أو غير دينية- قد تم تصويرها بطريقة ما مستغلة عاطفتها و نزعتها في الثأر بلا عقلانية لتتحكم فيها و تحدد مساراتها فيما بعد. و على كل حال، فالاحتمالات كثيرة، و سيظل الحديث حول هذا الأمر في إطار الظني. و لا أعتقد أن إطالة الجدل حول مثل هذه التنبؤات سيقود لكثير من الحسميات.
لكن – و من وجهة نظري الخاصة- أخطر تعبات هذا الحدث، و الذي هو في إطار القطعي، يتعلق بذلك "النفق" الذي حدد مساراً وحيداً ضيقاً لقطار المشهد الثقافي. فـ"الصورة" ستكون هي المعتمد الأول و الأساسي في تشكيل كل ما يتعلق بمفاهيم ثقافية حساسة مثل "الطائفية" و "التطرف" و "الشهادة" و "الشجاعة".....الخ، فتاريخ الثقافة و منتجاتها كلها سيتم تشريحها عن طريق هذا المقطع, ليتم استبعاد كل شيء خارج "منطق" "صورة" لا تتعدى دقيقتين!! و كأننا فعلاً قررنا أن نركب قطاراً يمكن أن يزودنا بمسار محدد في هذا "النفق" المظلم. و هذا الظلام يعكس حالة الاستبعاد التي تعيشها منتجاتنا الثقافية التقليدية، و التي كانت كمصابيح يمكن أن تساعدنا للسير و اختيار المسارات نحو المخرج الصحيح.
فهل معنى هذا أن نستسلم للأمر الواقع و نخضع لاستعباد الصورة؟
لا أؤمن أن هناك أزمة محددة لا يوجد فيها أبواب مفتوحة. و الاستغراق في تصوير الجوانب الظلامية و السلبية أحدث اضطهاداً لمفهوم عميق، عانى من إساءتنا الشيء الكثير، و هو "الوعي بالواقع". فالوعي بالواقع هو في حقيقته تحديد المسارات الإيجابية و مناطق التحرك و البحث في كيفية توسيعها و استثمارها مهما كانت الأزمة كبيرة. و لا يوجد أبداً أي سبب أو ظرف يمنع من تفعيل طرق البناء و الإيجابية مهما كانت محدودة، و ما أعظم ما قاله الرسول عليه الصلاة و السلام: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"(صححه الألباني).
و أكبر جوانب نقص الوعي بالواقع و التي ضل الناس فيها، و انقسموا على مذاهب شتى، هو "الوعي" بالسياق الثقافي و التاريخي و الحضاري لهذه الأمة. و هذا الوعي يقتضي أن تعترف الأمة أنه لا عزة لها إلاّ بدينها, و أنه يجب أن يقود الواقع بكل بتفاصيله و كلياته. و هذا يحتاج إلى حركات إصلاحية تعيد النظر في الخطاب الديني ليستعيد -منطلقاً من أصالته- شيئا من الفعالية التي خسرها خلال القرون الماضية كما هو بتعبير مالك بن نبي رحمه الله تعالى. و تجديد الخطاب الديني يجب أن يكون شمولياً، فيهتم بما يتعلق بشؤون الحياة العامة، و لا يغفل عن تصحيح العقائد و التي تعيش حالة مضطربة جداً للأسف. و قد وصل الكثير من المفكرين الغربيين غير المسلمين إلى ضرورة التعامل مع محيط الشرق الأوسط كمنطقة لها سياق حضاري إسلامي بحت، فكل محاولة لتعميق الفجوة بين هذه الأمة و سياقها الثقافي و الحضاري فلن يحقق مكاسب طويلة المدى بأي حال.
و من "الوعي بالواقع" أن تكون قراءتنا في "ثقافة الصورة" قراءة كاملة من كل الجوانب حتى نحدد الإطارات الإيجابية للحركة؛ فـ"ثقافة الصورة" تبقى في النهاية محايدة، لكنها لا تخدم إلاّ مريديها فقط. و أبرز الجوانب الإيجابية للـ"صورة" أنها مادة كاشفة عن الأنساق الثقافية و حركة هذه الأنساق و طرائق تعبيرها عن نفسها. و هذا يعني أن لدينا الآن وسيلة جديدة مهمة للغاية للتعرف عن الذات المثقفة و الشخصية الثقافية و التعرف على عيوبها الخطابية و النسقية. فالصورة أصبحت محور كثير من الدراسات الثقافية، و الناقد الثقافي يظل يترقب مثل هذه الأحداث و هذه الصور العمومية ليستفيد من ردود الأفعال في قراءة المجتمع بطريقة صحيحة.
و هذه نقلة مهمة في مسيرة النقد الثقافي، فالاهتمام أصبح متزايداً في نقد “المستهلك الثقافي” –كالصورة مثلاً- وردود الأفعال أثناء عملية الاستهلاك و الاستقبال الجماهيري على حساب الاهتمام في نقد الثقافة أو دراستها. و هذا تحول مهم يكشف لنا مقدار التباين بين الفعل الواعي الذي يفترض أنه يمثلنا في الحقيقة و بين ما تصنعه المضمرات النسقية.
و هذا يجعلنا أمام أمرين، فإما أن نخضع لهذه الصورة و ما ستفرضه علينا ثقافياً من تأويلات محددة، فيكون التحرر من تبعات هذه التأويلات في المستقبل شبه مستحيل. و إما أن نسلط النقد على ردود أفعالنا و نبحث عن عيوب الخطاب الثقافي عموماً، فتكون حينها "الصورة" مدخلاً تاريخياً و فرصة نادرة في إعادة تصحيح الأمور بطريقة علمية سليمة ستضمن لنا قاعدة متميزة يمكن أن تؤهلنا لخوض المراحل القادمة من مسيرة الانطلاق الحضاري بكل قوة و نجاح. و هذا أمر يفرض على علمائنا و مفكرينا الجدية الكاملة في تلقي مثل هذا الأمر، خصوصاً أن الجماهير أصبحت لها سلطة عميقة على الخطاب الثقافي و تتأثر كثيراً بالمخرجات المبسطة لهذه الصورة. و سنستخدم الصورة، لنقف الآن على مجموعة من العيوب الموجودة في المشهد الثقافي.
(1) كانت فترة حكم الرئيس صدام حسين قد جرت العراق للكثير من المهالك، و بلغت الأدلة درجة التواتر فيما يدل على ذلك الواقع السيئ، و قد كان في داخل كل عراقي رغبة شديدة في تحرير العراق من هيمنته و ظلمه حتى يتغير الحال نحو الأفضل.
و بغض النظر عن الطريقة التي تم فيها إسقاط النظام العراقي السابق، فإن لغة الأرقام تدل على أن النتائج لم ترق لطموح الشعب, فالتغيير قد جره لمهالك جديدة. و هذا الذي حدث مجرد انعكاس لـ"نسقية المعارضة" كما يسميها الدكتور الغذامي. فالجانب النسقي من المعارضة في التاريخ تعني أن المعارضة هي صورة أخرى من المهيمن و الجميع يشتركون في السمات و السلوكيات و لن تكون "ثقافة المعارضة" إلا من خلال إزاحة نظام و إحلال نظام لا يختلف عن السالف من حيث الفعل و المسلك.
و الذي حدث الآن ليس خروجاً عن السياق التاريخي، فالعباسيون –مثلاً- قاموا بشن معارضة سياسية ضد الأمويين بدعوى ظلم بين أمية و تجاوزهم، غير أن العباسيين و هم يقومون بمعارضة ينتهون إلى نهاية نسقية، و يقدمون أمثلة كالسفاح الذي اكتسب اسمه من كثرة سفكه للدماء لدرجة وصلت إلى قتل قائد جيشه أبي مسلم الخرساني. و هذه "النسقية" في المعارضة ليست محصورة في الجانب السياسي فقط، فهي تشمل أيضاً "المعارضة الثقافية"، و قد نقل المسعودي في مروج الذهب أن المأمون بلغ به الحال أن أعلن البراءة من كل من يذكر اسم معاوية -رضي الله عنه- بخير، كما أننا نعرف قضية المأمون مع الاعتزال. ثم نجد على جانب آخر أن كل المعارضات التي واجهت بني العباس كانت دموية سياسية و إلغائية ثقافية، و هو ما يعكس صورة هذا العيب النسقي.
و عندما نقترب قليلاً، وننظر إلى حركات الثورات العربية الأخيرة، نجد أن الأمرنفسه يتكرر، و المشهد هو المشهد، فعندما تنتصر المعارضة تسقط الدعاوى و تكون صورة في هيمنتها و سلطويتها من النظام السابق مع بعض الإختلافات الشكلية. و ما كان صدام حسين مع عبدالكريم قاسم إلاّ مثالاً آخر مما يفعله المعارض مع المهيمن، حتى إذا أخذ المعارض السلطة ورث كل عيوب سلفه، و قد يكون أكثر كرماً فيضيف شيئاً من إبداعه.
و لذلك كان لا بد أن نتيقن أن صدام كان سيواجه نفس النهاية التي تواجه كل مهيمن في ثقافتنا، و قد سئل الدكتور الغذامي في مقابلة صحفية قديمة عن "المسافة التي تفصل بين القاتل و المقتول"، فأجاب بأن هذه المسافه هي "صدام حسين"، و لم يكن الغذامي يقرأ الكف حينها، لكنه كان يدرك تماما ثقافة المعارضة و نسقيتها التي لن تنفذ إعداما على صورة محاكمة قانونية، و لكنه حتما سيكون على صورة اغتيال سياسي مقاربة لتلك التي كان يشتهر بها صدام وقت حكمه. و لعل البعض مازال يتساءل عن بقية التفاصيل التي لم تبث في مشهد الإعدام، و عندها سنقول له -من خلال قراءتنا للعيب النسقي في المعارضة- إنها ستكون بنفس الطريقة التي كنا نسمعها عن اغتيالات صدام السابقة بدون حاجة لآلات تصويرية و مقاطع إضافية. فالجموع لا بد و أنها كانت تشاهد في لذة و تمارس كل أنواع التعذيب الجسدي و النفسي، لتكرر نفس المشاهد الصدامية دون أن يتغير شيء.
و لو استطردنا لنبحث في مجموعة أخرى من الأمثلة و النماذج للمعارضة السياسية أو الثقافية، فسنجد أننا سنصل إلى حقيقة واحدة، و هي أن المعارضة تقع في نفس الأشياء – و لو بعد حين- التي تنتقد بها كل مهيمن، مما يدل على عيوب نسقية ما زلنا نتوارثها -بلا وعي غالباً- فتعطل كل محاولة إصلاحية جادة في تحقيق مرادها.
(2) جاءت أمريكا إلى العراق و هي تحمل معها وعوداً بتحرير سريع و بناء دولة ديموقراطية تكون نموذجاً فريداً لبقية الدول في المنطقة. و كان و لا يزال الرئيس بوش يتكلم عن هذا الأمر من حين لآخر، و يستعين ببعض المثقفين و الخبراء السياسيين -من المحافظين الجدد خصوصاً- الذين كانوا يبشروننا بالنعيم الذي ينتظرنا، فالجيوش معها قيم و مبادئ هي كالمفاتيح السحرية لأبواب الجنة في هذه الدنيا.
و هذا التبشير ليس وليد اليوم. فمن ناحية العلاقة التاريخية، لا شك أن الخطاب الأمريكي الليبرالي كان مغريا، فقد أخذ زمناً طويلاً في ترسيخه عند بعض مثقفينا قبل حدوث مثل هذا النوع من المواجهات التي تكشف عن الأنساق المضمرة التي قد تزعزع الثقة به، والتي قد تتعارض مع ما هو معلن في اللحظات الحاسمة. و إذا عرفنا حالة القهر و التخلف التي تجتاح العالم العربي، نجد مبررات عديدة لحالة "العمى الثقافي" التي فرضت على بعضنا الاستعانة بأية مبادئ تعلن أنها قد تضعنا على مشارف انطلاقة حضارية شاملة. لكن "صورة" إعدام الرئيس صدام و أخواتها كانت فرصة نادرة لكشف الكثير من الأنساق المضمرة و عيوب الخطاب الثقافي الغربي عموماً و الأمريكي على وجه التحديد.
دعونا نعد سنوات قليلة للوراء، و نتذكر كيف هزت "الصورة" التي أظهرت تفجير بعض الإرهابيين لبرجي نيويورك أركان المشهد الثقافي بنفس الطريقة التي تكشف المضمر. فنجد أن الرئيس بوش في أول تصريح له يتحدث عن "حرب صليبية" و عن مصطلحات مثل "قوى الشر" و "الشيطان"، مما يدل أن الخطاب الثقافي الغربي لم يتحرر في مضمره من هذه الأنساق التي كان و مازال يتوارثها و كأنها جينات متنحية، لا تظهر إلاّ في اللحظات الحاسمة بشكل يجعلها تقصي كل ما سواها.
و حين ننتقل إلى "صورة" صدام حسين لنقرأ في ردود أفعال بعض المثقفين الغرب، يأتي توماس فريدمان ليكشف ما هو مضمر في مقاله الذي هو بعنوان: "إعدام صدام والبحث عن مخرج للمأزق العراقي"، و يعلنها صريحة و كأنه يرثي كل من اغتر بالنموذج الليبرالي الغربي الذي كان يبشر به دائماً، و ذلك حين ينقل عن مايكل ماندلباوم "أن الديموقراطية لا تنجح إلاّ حين يكون هناك اتفاق رئيس على المبادئ و الأصول، و في وسع الآخرين الذين يفتقدون إلى هذه المبادئ و القيم، أن يستوردوها منا إن شاؤوا، إلاّ أنه ليس في وسعنا تصديرها لهم بأي حال، ذلك أنه ليس بإمكاننا توفير السياق العام الذي يمكن للآخرين الاستيراد منه".
و بالطبع فإن فريدمان حينما يقول إن نجاح الديموقراطية يعتمد على الاتفاق الأساسي على المبادئ و الأصول، نجد أنه يجسد قناعته هذه في قبوله بالكثير من النماذج الديموقراطية التي تخالف النموذج الأمريكي كما هو الحال مع فرنسا و بريطانيا و إسرائيل. لكن سؤالنا الذي ننتظر إجابته من فريدمان: هل يمكن أن ينطلق من هذا الكلام ليبحث لنا عن نموذج النظام السياسي الوحيد الذي يتلاءم مع سياق أمتنا الثقافي و الحضاري العام؟ لا أعتقد أنه سيملك الشجاعة ليخبرنا عن النتيجة؛ فهو ضحية نسق ثقافي غربي متجذر يعتقد أن ثقافته بكل تفاصيلها قد بلغت النموذج الصالح لنهاية التاريخ لتكون ملائمة لكل الحضارات.
لقد ظهر لي أنه من المهم قراءة مقالات فريدمان -بالذات- التي تكون كردود أفعال مع مثل هذه الصور، و في كل مرة سيجد القارئ فيها شيئاً جديداً يكشف الكثير مما هو مضمر. فعندما تسربت صور تعذيب سجن أبو غريب، بادرنا بمقال قال فيه: "يجب على كل من أراد العمل في العراق أن يُجرى له امتحان، ويتألف هذا الامتحان من سؤال واحد: هل تعتقد أن أقصر مسافة بين نقطتين خط مستقيم؟ فإن أجاب بـ"نعم"، فلا ينبغي أن يعمل هناك، يستطيع أن يعمل في كوريا أو اليابان أو ألمانيا لكن ليس في العراق، فقط، أولئك الذين يفهمون أنه في الشرق الأوسط أقصر مسافة بين نقطتين، ليست أبدا خطا مستقيما ينبغي أن يعملوا هناك". و هي دعوة من فريدمان أو "صديق الليبرالين العرب" كما يسمونه -و لا شماتة-، تحث على تجريد السياسة الأمريكية في العراق من أية أخلاقيات أو إلتزامات كي تحقق ثماراتها.
و رحم الله المفكر مالك بن نبي حين قال لنا قبل عشرات السنين: "إن المستعمر لا يحمل فضائله خارج أرضه" (وجهة العالم الإسلامي)، بل نجد أن مثل صورة أبو غريب تجعل علمانياً -عرف بتسويغه المبالغ للسياسيات الأمريكية- مثل فؤاد زكريا ليقول: "عليهم أن يعلموا أن الفضائل المتناثرة بين كاليفورنيا وفلوريدا، فضائل "لازمة" وغير "متعدية" للآخر!..أملتها ظروف تاريخية معينة واقتضتها "أخلاق الزبونية" التي تنتج الفضائل هناك. و ردة فعل زكريا تدين ثقافته من حيث لا يدري بأكثر من طريقة، و يا ليت قومي "يفهمون"!!
و على الرغم من كل هذا، فمقالات توماس فريدمان كانت -و مازالت- تحظى باستقبال كبير من بعض صحفنا، و قد وجدت أن هذا الاستقبال لا يطفئ أضواءه و يغلق أبوابه إلاّ حين يرى مثل وجهي دون أن أفهم السبب! و على العموم, لا أملك شيئاً من تدبير الأمر معه، و لا القدرة على محاورته أو أخذ مقعده. لكن على أقل تقدير فأنا أمير نفسي، و يمكنني أن أرجع إلى غرفتي مساء اليوم لألقي كتابه الذي كلفني الكثير من الدولارات في مكانه المناسب!
(3) صعد الشيخ ي