السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ما ذكرناه هو: ما الذي يمكن لهذا الإنسان المسربل بالنقص والقصور أن يفعله من أجل فهم الأحداث والأشياء والأوضاع، ومن أجل تفسير وقائع الماضي، واستشراف اتجاهات المستقبل؟
لا شك في أننا نستطيع أن نفعل الكثير، كما أننا سنجد أنفسنا عاجزين عن فهم الكثير، وهذا مما لا جدال فيه؛ فالرشد المطلق والوعي الكامل والرؤية المحيطة ليس من شأن الإنسان الظفر بها، وذلك ببساطة لأنه ليس مؤهلاً لذلك في تركيبه العقلي واستعداده الفطري، فما الذي يمكن أن نفعله، أو ما ملامح ما يمكن أن نفعله؟
لعلي أشير على نحو موجز إلى بعض الأسس المهمة على النحو الآتي:
1) قد يكون من المفيد أن ننظر إلى معارف الناس وخبراتهم المتعلقة بأي قضية من القضايا على أنها ناقصة وغير ناضجة، وليس في هذا أي غمط لأحد، أو استخفاف بأي خبرة؛ فما من أحد يعرف شيئاً أو يدّعي الإلمام بشيء إلاّ وهناك من هو أدرى وأعلم منه، كما قال جل شأنه
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [سورة يوسف: من الآية 76]. هذه النظرة الموضوعية لأهل العلم والخبرة تبيح لنا أن نتساءل ونناقش كل كاتب ومتحدث، وتبيح لنا أن نضع أفكاره وأطروحاته واجتهاداته على طاولة التشريح، ولِمَ لا والمفكرون والباحثون المتخصصون حين يخرجون علينا بشيء جديد، فإنهم في الحقيقة يعبرون على نحو ما عن وجهة نظر شخصية أو فئوية، ومن حقنا أن نبحث ذلك ونقدم وجهة نظرنا فيه. هذه الرؤية المنهجية للمعرفة تساعدنا على أن نكون شركاء في تطوير الفكر والعلم عوضاً عن أن يكون دورنا مجرد التلقي والاستسلام للباحثين والخبراء، وهذه النظرة هي نظرة الراسخين من العلماء وأهل البصيرة العارفين بعمليات تكوين الرأي، ورحم الله تعالى الإمام مالك بن أنس حين كان يقرأ قوله تعالى
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) (سورة الجاثية: من الآية 32): عندما يفتي في بعض المسائل العويصة.
2) نحن في الصحوة الإسلامية نحتاج من أجل مكافحة العماء إلى أن نصغي بتركيز شديد إلى ما يقوله عنا المخالفون لنا، ومن هم خارج دائرة الصحوة مهما كانت اتجاهاتهم ومنطلقاتهم، وذلك لأن الإنسان أي إنسان يرى الأشياء ويفسر الأحداث من أفق عقائده ومسلّماته وأفكاره وخلفيته الثقافية.. ونحن حين نستخدم كل ذلك في صياغة الرؤى الجديدة لسنا معصومين، ولسنا دائماً في أحسن أحوالنا، بل هناك قصور منهجي ومعرفي واضح لدى كثيرين منا، استماعنا باهتمام لما يُقال فينا وعنّا، ليس بسبب أننا غير واثقين من منطلقاتنا، ولكن لأننا نريد أن نوسع دوائر الرؤية لدينا، ونريد أن نستفيد من أدوات النقد والتحليل التي يستخدمها الآخرون، ومن الواضح في هذا السياق أن كثيرين منا حصروا اطلاعهم في دائرة الثقافة الشرعية والتراثية عامة، ولم يقرؤوا شيئاً ذا قيمة في علوم الحضارة والمستقبليات، ولم يطلعوا على كتب المنطق الحديث ولا على شيء من كتب الفلسفة الإسلامية وغير الإسلامية، ولهذا فإن طروحاتهم تكون محدودة بسبب ارتكازها على ألوان محددة من المعرفة، إنهم يفكرون داخل الصندوق، ولا يعرفون شيئاً مهماً عما يجري خارجه، مع أن الأحداث الجارية تتأثر إلى حد بعيد اليوم بتوجّهات القوى النافذة على الصعيد السياسي والإعلامي والاقتصادي، وكثير من تلك القوى لا ينتمي لا إلى العروبة ولا إلى الإسلام، نحن نعتبر معرفة الحقيقة هي الأساس في كل جهد إصلاحي ونهضوي، ويجب أن نحرص عليها حتى نستطيع وصف العلاج الناجح الناجع للواقع الإسلامي.
3) ثمة شيء أساسي على طريق وضوح الرؤية، وهو البحث المخلص والصادق عن الخطوط العريضة التي يتحرك فوقها الناس، ومحاولة فهم أكبر قدر ممكن من سنن الله تعالى في الخلق، ومحاولة فهم طبائع الأشياء التي فطرها الخالق سبحانه عليها، إن لكل مجال من مجالات الحياة سننه وقوانينه التي تحكمه، وله قيمه وأخلاقياته، كما أن له تداعياته وضروراته الخاصة به.. وفهم كل ذلك، يساعدنا مساعدة كبرى على تحصين أنفسنا وعقولنا من سيطرة الرؤى المبتسرة والمعلومات المزيفة والمزورة وسيطرة الرغبات والأهواء المضلة المضللة، وقد كان علي رضي الله عنه يقول:"رأي الشيخ ولا رؤية الصبي" أي أن حدس كبار السن وتخمينهم واجتهاداتهم أولى بالصواب والقبول من رؤية الصبي للأشياء بعينه، وما ذلك إلاّ لأن الخبرة التي لدى الشيوخ تمكنهم من امتلاك فهم أعمق للنظم والقوانين الكونية، وفهم أعمق للوضعيات التي أوجد الله تعالى فيها الأشياء، وعلى سبيل المثال فإن الذي نخافه على الشركاء هو البغي والعدوان، والذي نخافه على الفقراء هو الذل والهوان، أما الذي نخافه على الأغنياء، فهو الطغيان والاستعلاء، كما أننا نخاف على الوُعّاظ من الوقوع في الكذب والمبالغة، ونخاف على العسكريين من التفكير الحرفي، ونخاف على المفكرين من الجفاف الروحي وعلى العباد من التفكير الخرافي.. إننا نخاف على هؤلاء من الوقوع في هذه المشكلات؛ لأننا نعرف طبيعة هذه المجالات والاختصاصات والوضعيات، ومما يؤسفني على هذا الصعيد أن أقول: إننا لم نبذل إلاّ القليل من الجهد المطلوب لفهم هذه الأمور، مما أوجد لدينا قدراً غير قليل من الاضطراب المنهجي، مع أن المتأمل في آيات الذكر الحكيم يجد الكثير الكثير من الأنوار الهادية إلى السنن والدالّة عليها!
للحديث صلة.